محمود توفيق محمد سعد
278
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم الحادي عشر . التوجيه البياني للقراءات القرآنية كان من فضل اللّه الرّحمن الرّحيم على عباده أن لم ينزل كتابه على وجه واحد من وجوه الترتيل التي يستنبط منها معاني الهدى ، بل جاء التنزيل بوجوه عدّة ، كما هدت إلي ذلك السنة المطهّرة : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه " ( الشيخان : البخاري كتاب : فضائل القرآن ، و " مسلم " كتاب : المسافرين - والنص له حديث . رقم : 270 / 818 ) وفي الباب نفسه روى مسلم عن أبي بن كعب أن النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كان عند أضاة بني غفار قال : فأتاه جبريل عليه السّلام ، فقال " . . . . إن اللّه يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا ( حديث : 274 / 821 ) أن في تعدد هذه القراءات فيضا من رحمة التخفيف على هذه الأمة ، وهو تخفيف غير مقصور على الأداء والتلاوة ، وإن كان هذا أظهرها بل هو تخفيف في التكليف القائم من معاني الهدى المستنبطة من تلك القراءات فمن قرأ بحرف واستنبط منه معاني الهدى استنباطا صحيحا على وفق الأصول العلمية للاستنباط ، فقد أصاب فكلها كاف شاف والحمد للّه رب العالمين . تعدد صور الأداء ليس تعدد عقيما من المقاصد التي نزل القرآن لها : إنباء العباد بمعاني الهدي التي يريدها الحق عزّ وجلّ بل كل صورة من صور الأداء المتواتر ذات عطاء من ضروب هذه المعاني المتكاثرة والتي لا تخلق على كثرة الرد ، ومن ثم كان من التعبد الاستماع إلى القرآن الكريم وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( الأعراف 204 ) فقد شرط لتحقق الرحمة شرطين : الاستماع والإنصات معا : الاستماع بالقاء السمع والاجتهاد في عدم التشاغل بشاغل كما تلوّح به صيغة الافتعال ( استمعوا ) والإنصات وهو ترك الكلام بالكلية حتى لا يكون في أدنى صور الكلام ما شغل عن التلقي لما في الاستماع إليه من لطيف